جمال الدين بن نباتة المصري

62

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

أباه أنطرطس لمّا بلغه أنّ ملوك اليونان قد انقرضوا ولم يبق غير امرأة تسمى قلوبطرة أرسل إليها يخطبها - وكان قد ملك طرفا من أطراف البلاد - يقول : قصدي أن تصير المملكتان واحدة ، وأقرب منك لفضلك وعقلك ؛ فعلمت أنها مغلوبة ، فأجابته وقالت : تقيم في مكانك إلى يوم بعينه ، فأقام . وأفكرت في حيلة تحتال بها عليه ، فرأت أن تهلك نفسها ، وتهلكه فيها ، ولا يتمكّن منها ، فعمدت إلى حيّة تكون في الرمل ، تضرب الإنسان فيهلك في لحظة ؛ فجعلتها في إناء من زجاج ، وزيّنت قصرها ، وفرشت مجلسها بالرّياحين ؛ ولبست تاجها ، وجاست على سريرها ، واستدعت به ، فلمّا دخل باب القصر ، أخرجت الحية ، فضربتها فماتت ، وانسابت الحية في رياحين حولها ، ودخل أنطرطس إلى السّرير ؛ ولم يشكّ أنها في عافية ، فجلس إلى جانبها ، وعبث في الرّياحين ، فضربته الحيّة فمات . وكان ابنه معه في جيشه ، فسمع بموتهما ، فاستولى على بلاد الروم واليونان . وهو الّذى بنى قيساريّة الروم - وقيل قيساريّة الشام - وأقام في الملك خمسين سنة . ومن طريف « 1 » أخباره أنه كان إذا أراد أن يستشير أحدا من عقلاء دولته أرسل إليه نفقة سنة ؛ ليوفّر ذهنه على الرأي . ومن بعده اختلفت الرّوم ، فتقاسموا البلدان والأطراف إلى ظهور الإسلام . وقيصر هذا أعظم ملوكهم . ومن كلامه : ما الحيلة في ما أعيا إلّا الكفّ عنه ، ولا الرأي في ما لا ينال إلّا اليأس منه .

--> ( 1 ) ت : « ظريف » .